مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
36
تفسير مقتنيات الدرر
والجواب أنّ القطع على أنّ اللَّه يعذّب الكافر لا يعرف إلَّا بالسمع فلعلّ إبراهيم ما كان في شرعه ما يدلّ على القطع بعذاب الكافر . أو أنّ الاستغفار قد يكون بمعنى الاستماحة كما في قوله : « قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّه ِ » « 1 » وعلى هذا المعنى قال إبراهيم : سأسأل ربّي أن لا يخزيك بكفرك ما دمت حيّا بعذاب الدنيا المعجّل . الثالث أنّه عليه السّلام إنّما استغفر له لأنّه عليه السّلام كان يرجو منه الإيمان فلمّا أيس منه ترك الاستغفار ولعلّ في شرعه جواز الاستغفار للمرجوّ منه الإيمان ويؤيّد هذا المعنى قوله تعالى : « ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ » « 2 » فبيّن سبحانه أنّ المنع من الاستغفار إنّما يحصل بعد أن يعرفوا أنّهم من أصحاب الجحيم ثمّ قال : بعد ذلك « وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لأَبِيه ِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاه ُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَه ُ أَنَّه ُ عَدُوٌّ لِلَّه ِ تَبَرَّأَ مِنْه ُ » « 3 » فدلَّت الآية على أنّه وعده بالاستغفار لو آمن فلمّا لم يؤمن لم يستغفر له بل تبرّأ منه والمنع من التأسّي به في ذلك لا يدلّ على أنّ ذلك كان منه معصية . قوله : * ( [ إِنَّه ُ كانَ بِي حَفِيًّا ] ) * من بقيّة كلام إبراهيم أي إنّ ربّي كان بارّا لطيفا رحيما وعوّدني بإحسانه ومكرما لي وبما أبتغيه لعلَّه يهديك . * ( [ وَأَعْتَزِلُكُمْ ] ) * وأتنحّى منكم جانبا * ( [ وَ ] ) * عبادة * ( [ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ِ ] ) * من الأصنام وأعبد * ( [ رَبِّي ] ) * وأدعوه * ( [ عَسى ] ) * وقريب * ( [ أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي ] ) * ودعوته * ( [ شَقِيًّا ] ) * محروما كما شقيتم بعبادة الأصنام وإنّما ذكر « عسى » على وجه الخضوع أو المعنى : لعلَّه يقبل طاعتي وعبادتي ولا أشقي بالردّ فإنّ المؤمن بين الخوف والرجاء . قوله : * ( [ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ِ وَهَبْنا لَه ُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا ] ) * وفارقهم من أرض بابل وهاجرهم إلى الأرض المقدسة ، قيل : إنّه عليه السّلام لمّا قصد الشام أتى أوّلا حرّان وتزوّج بسارة واختار الهجرة إلى ربّه حيث
--> ( 1 ) الجاثية : 13 . ( 2 ) البراءة : 114 . ( 3 ) « : 115 .